أثارت روايةٌ منامية نُسب فيها إلى النبي ﷺ قوله: «الوقوف بين يدي الولي خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطّع أربًا أربًا»، جدلًا علميًا واسعًا؛ لما تنطوي عليه من دلالة خطيرة في باب العبادة والتفضيل.
وقد نقل الأستاذ أحمد معزوز هذه الرؤيا بوصفه حاكيًا لها، موردًا إياها في مقام عام دون الاكتفاء بمجرد النقل، بل مقرونة بسياق يوحي بقبول معناها والتعويل عليها. ثم تولّى عبد القادر الحسين الدفاع عن هذه الرواية، فجمع بين محاولة تثبيت نسبتها، وبين السعي إلى تأويلها وصرف دلالتها الظاهرة، بدعوى أن المقصود بها معنى تربوي يتعلق بتصحيح العبادة والإخلاص، لا تفضيل الوقوف لذاته على عبادة الله تعالى.
غير أنّ اللفظ المنقول في الرواية، بحسب سياقه ودلالته الظاهرة، لا ينهض بهذا التأويل؛ إذ إن المقارنة جاءت صريحة بين الوقوف بين يدي الولي وبين عبادة الله حتى التقطّع أربًا أربًا، وهو أعلى ما يتصور من غاية الاجتهاد في الطاعة. وهذا المعنى، بظاهره، لا يستقيم مع ما تقرّر في نصوص الوحي من أن العبادة الخالصة لله هي أشرف الأعمال وأعلاها منزلة، ولا مع ما استقر عليه منهج أهل السنة والجماعة في باب التوحيد وتزكية النفوس.
ومن هنا تصدّى الشيخ الشريف حاتم العوني لمعالجة هذه المسألة ضمن سلسلة علمية متتابعة، تناول فيها الرواية محلّ الجدل من جهات متعددة: جهة الثبوت، وجهة الدلالة، وجهة المنهج في التعامل مع الرؤى والعبارات المشكلة. وقد قرّر منذ البدء أن النزاع لا يتعلّق بالطعن في الأشخاص ولا بتشكيك المقاصد، وإنما يتعلّق بعبارة نُشرت للعامة وتحمل في ظاهرها معنى فاسدًا يجب بيانه وردّه.
وبيّن الشيخ الشريف أن الرؤى والمنامات، وإن كانت قد تقع لبعض الصالحين، إلا أنها ليست مصدرًا من مصادر التشريع، ولا يجوز أن تُجعل أساسًا لإثبات معانٍ أو تفضيلات تعارض النصوص المحكمة في الكتاب والسنة. كما أكّد أن نسبة القول إلى النبي ﷺ، ولو في سياق المنام، تُضاعف خطورة الأمر، وتستوجب مزيد احتياط وبيان، لا توسيعًا في النقل ولا تساهلًا في التأويل.
وفي سياق نقده للدفاع المقدم، كشف الشيخ الشريف عن اضطرابٍ بيّن في مسار التأويل؛ إذ اعتمد المدافع على تقييدات ومعانٍ لم ترد في أصل الرواية ولا في كلام حاكيها عند إيرادها، ثم تغيّرت هذه التقييدات بتغيّر مراحل النقاش. وبيّن أن هذا التقلّب في توجيه المعنى دليل على خلل في المنهج؛ لأن العبارة لو كانت مستقيمة في أصلها لما احتاجت إلى هذا القدر من التكلّف لصرف ظاهرها.
ولم يقف الدفاع عند حدود التأويل، بل انتقل في بعض مراحله، عند العجز عن الجواب عن أصل الاستدلال، إلى إثارة إشكالات جانبية لا وجود لها في كلام الناقد، من قبيل اتهامه بالاستخفاف بأصحاب المهن أو التنقّص من الأولياء. والحال أن نقد الشيخ الشريف كان منصبًا على دلالة العبارة نفسها، لا على الأشخاص ولا على المهن ولا على المقامات، مما يجعل هذا الانتقال خروجًا عن محل النزاع وصرفًا للأنظار عن جوهر الإشكال.
وتكشف هذه القضية عن أهمية التمييز بين نقد العبارة ونقد القائل، وبين حسن الظن بالمسلم وواجب البيان العلمي عند ظهور الخطأ. كما تؤكد أن دعوى “الاصطلاح” أو “المقصد الباطن” لا تصلح لتصحيح العبارات إذا خالفت ظاهر الشريعة وأصولها، خصوصًا إذا أُطلقت ونُشرت من غير تقييد ولا تحفّظ.
وقد عُولجت هذه المسألة عبر سلسلة مرئية مكوّنة من ست حلقات، تناولت جذور القضية، ونص الرواية ودلالته، ومصادرها، ووجوه الخلل في تأويلها، ومنهج الدفاع عنها، وصولًا إلى خلاصة منهجية في ضبط حدود الاحتجاج بالرؤى ودعاوى الاصطلاح. ويأتي هذا المقال توثيقًا مكتوبًا لتلك المعالجة المرئية، حفاظًا على سياق النقاش العلمي وتقييدًا له في السجل المعرفي المعاصر.
وجميع المواد المرئية المرتبطة بهذه السلسلة من إنتاج وملكية قناتي واحة الكلام وسيدانج كلام على يوتيوب.
وقد نُشرت هذه المواد بقصد البيان العلمي والتوثيق، مع توفير الروابط وقوائم التشغيل لمن أراد متابعة الموضوع
كاملًا في سياقه الأصلي.
https://youtube.com/playlist?list=PL17j71FdTKcj9sXG_yki2HFTg7PQrQ4ze&si=v5B-xOSYYivnZdQ5